الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
14
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تجري على ألسنة بعض الشياطين من الإنس أيضا ، وهي أنه عندما يسأل الشخص لدى ارتكابه عملا قبيحا ، عن دليله يجيب قائلا : هذا ما وجدنا آباءنا يفعلونه : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا . ثم يضيفون إلى هذه الحجة حجة كاذبة أخرى قائلين : والله أمرنا بها . إن مسألة التقليد الأعمى للآباء ، بالإضافة إلى الافتراء على الله ، عذران مختلفان ، وحجتان داحضتان يتشبث بهما العصاة المتشيطنون لتبرير أعمالهم القبيحة غالبا . والملفت للنظر أن القرآن الكريم لم يعبأ بالدليل الأول ( يعني التقليد الأعمى للآباء والأسلاف ) ولم يعتن به ، وكأنه وجد نفسه في غنى عن الرد عليه وإبطاله ، لأن العقل السليم يدرك بطلانه ، هذا مضافا إلى أنه قد رد عليه في مواضع عديدة من القرآن الكريم . وإنما اكتفى بالرد على الحجة الثانية ، أو بالأحرى ( التبرير الثاني ) حيث قال : قل إن الله لا يأمر بالفحشاء . إن الأمر بالفحشاء حسب تصريح الآيات القرآنية عمل الشيطان لا عمل الله ، فإنه تعالى لا يأمر إلا بالمعروف والخير ( 1 ) . ثم يختم الآية بهذه العبارة : أتقولون على الله ما لا تعلمون . ورغم أن الأنسب أن يقول : لماذا تنسبون ما هو كذب وليس له واقع إلى الله ؟ لكنه قال بدل ذلك : لماذا تقولون ما لا تعلمون على الله ؟ وهذا في الحقيقة استنادا إلى الحد الأدنى من موضع قبول الطرف الآخر ، فيقال : إذا كنتم لا تتيقنون كذب هذا الكلام ، فعلى الأقل ليس لديكم دليل على إثباته ، فلماذا تتهمون الله وتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ ! .
--> 1 - راجع سورة البقرة ، 268 و 269 .